"
تقول عنه دالا حفيدة الرجل الفولاذي : روح الشابي طليقة كما الرياح الجبلية ,
وقلبه قلب بروموثيوس الذي لا يخشى بروق المآسي ,لأن الشاعر مؤمن بقوة النور
الطاردة للظلماء ," لقد بحث كثيرا في
حياته عن أسباب الحياة وغناها أغنية خالدة في أغاني الحياة تترنم كما تترنم
الألحان الطليقة التي تمضي بعيدا في فلكها العجيب .ومنذ ثمانية عقود وهي تبارك
الأناشيد التي تنزف بالحب من جبال توزر الذي أطلقته نجمة وترية تتصاعد من ضربات
الشبابه وأكثر إلى غابات الصنوبر والسنديان والصفصاف التي داعبت أحلامه الكبيرة
وغنّت مع بلبله وشحروره وفلسفة ثعبانه المقدس ,
ها
أنا أقف على مدينتك الشابية ,ومن اعلاها أنظر إلى الجسور والشوارع والأبحر والأنهر
فلا أرى إلا جمال الطبيعة والغابات الصنوبرية وأسمع زقزقة الحياة البريئة , وهي
تناشدك أمنياتك البديعة :
تمشي
في الغاب فتتبعه * أفراح الحب وتنشده
ويرى
الآفاق فيبصرها * زمراً في النور تراصده
ويرى
الأطيار فيحسبها * بسمات الحب توادده
ونجوم
الليل تُضاحكه * ونسيم الغاب تُطارده
ويرى
الأعشاب وقد سمقت * بين الأشجار تُشاهده
ليس
عجباً أن تمضي إلى الغاب , حيث السكون والهروب من ضجة المآسي والأحزان , هناك فقط
تستطيع أن تمارس الحياة بين الطيور والأحراش ..
إنني
ذاهب إلــى الغاب يا شعبي* لأقضي الحياة وحدي بيأس
سوف
اتلو على الطيور اناشيدي * وأفضي لها بأشواق نفسي
فهي
تدري معنى الحياة وتدري * أن مجد النفس يقظة حسِّ.
وما
يُرهقك أكثر من هذا القلب الذي أرهق من قبلك وبعدك شعراء كتبت لهم الحياة الخلود ولأنك
غنيت الحياة وألبستها لباس الصبر والجزع ناولتها بكلماتٍ فائضة من محب وعاشق :
يا
قلب لا تجـــزع أمام تصلب الدهر الهصور
فإذا
صرخت توجعاً هزأت بصرختك الدهــور
*****
يا
قلب لا تسخط على الأيام , فالزهر البديع
يصغي
لضجات العواصف قبل أنغام الربيع
****
يا
قلب لا تقنع بشوك اليأس من بين الزهور
فوراء
أوجاع الحياة عذوبة الأمل الجسور
وأمام
قلبك يا أبا القاسم تراقص الشعر وتختزل الحب فيه لأنه البرعم الذي لا يكبر إلا
ليعود كالطفولة الوجود والحي المُرهق :
يا
شعر , يا وحــي الوجود الحي يا لغة المَلائك
غرّد
, فأيامي انا تبكي على ايقاع نــايك
ردد
على سمع الدجى أنّــات قلبي الواهية
واسكب
بأجفان الزهور دموع قلبي الدامية
فلعل
قلب الليل أرحم بالقلوب الباكية
ولعل
جفن الزهر أحفظ للدموع الجارية
فعسى
يكون الليل أرحم فهو مثلي يندب
وعسى
يصون الزهر دمعي فهو مثلي يسكب
لولاك
مُت بلوعتي , وبشقوتي , وكــآبتي
فيك
انطوت نفسي , وفيك نفختُ كل مَشاعري
والليل
عند الشابي ليلٌ شاعري منطفيء عن عالم المحسوس فيه يجد محبوبته وأبيه ويرى الموت
جسداً حل بجسد وفي مذاقه طيف الخلود الجميل ونصف الحياة :
إلـــى
الموت لا تخش أعماقه * ففيه ضياء السماء الوديع
تُضيء
به بسمات القلوب * وتخبو به حسرات الدموع
هو
الموت طيف الخلود الجميل * ونصف الحياة الذي لا ينوح
هنالك
خلف الفضاء البعيد * يعيش المنون القوي الصبوح
يضم
القلوب إلى صدره *ليأسو ما مضّها من جروح
ويبعث
فيها ربيع الحياة * ويبهجها بالصباح الفروح
وكما أن الموت يبعث ربيع الحياة فهو كذلك يُمزق
الصدر ويقصم الأرزاء فاللموت عند الشابي
ثناية عجيبة تنطوي فيها السعادة والشقاء.
يا
موت قد مزقت صدري * وقصمت بالأرزاء صدري
ورميتني
من حالق * وسخرت مني أي سخر
فلبثتُ
مرضوض الفؤاد * أجر أجنحتي بــذعرِ
وقسوت
إذ أبقيتني * في الكون أذرع كل وعر
وفجعتني
فيمن أحب * ومن إليه أبثُّ سري
وأعده
فجري الجميل * إذا ادلهم علي دهري
ماذا
تود من المعذب في * الوجود بغير وزر
ماذا
تود من الشقي بعيشه * النكد المُـــضرِّ
إن
كنت ترقبني * فهات السهم أرشقه بنحري
إلأن
الحب هو الذي أعطاه شقاء الموت وسعادته وفي قبره يرى الحياة ولولاه لما غنت الحياة
ويضع فلسفة الحب الفاتنة فينعتها بالشعلة والروح الإلهية التي هبطت من السماء :
الحب
شعلة نور ساحر هبطت * من السماء فكانت ساطع الفلقِ
الحب
روحٌ إلهي مجنحة * أيامه بضياء الفجر والشفق
يطوف
في هذه الدنيا فيجعلها* نجماً جميلاً ضحوكاً جد مؤتلق
لولاه
ما سمعت في الكون أغنيةً * ولا تآلف في الدنيا بنو أفقِ
ومن
الليل إلى رب الليل يشكو إليه الهموم والأحزان :
يا
إله الوجود هذه جراح * في فؤادي تشكو إليك الدواهي
هذه
مهجة الشقاء تناجيك * فهل انت سامع يا إلهي
أنت
أنزلتني إلى ظلمة الأر*ض وقد كنت في صباحٍ زاهِ
أنت
أوصلتني إلى الدنيا * وهذه كثيرة الإشتباهِ
ثم
خلفتني وحيدا فريداً * بين داعٍ للرياح ِ وناه ِ
أنت
عذبتني بدقة حسي * وتعقبتني بكل الدواهي
خبروني
هل للورى من إلهٍ * راحمٍ مثل زعمهم أواهِ
يخلق
الناس باسماً ويواسيهم * ويرنو لهم بعطفٍ إلهي
إني
لم أجده في هذه الدنيا,,, فهل من افقها من إلهِ
يا
إلهي قد أنطق الهم قلب*ي بالذي كان فاغتفر يا إلهي
قدم
الهمِّ والمآسي داست قلبي المتعب الغريب الواهي
فتشظى
وتلك بعض شظاياه ,,, فسامح قنوطه يا إلهي
مدد
وتكفيك وتكفينا إذا قلتَ :
حسبي
إن قلت شعراً أن يرتضيه ضميري* أنا إليك مُرادي وأنت نعم مُرادي
قف
لا تدعني وحيداً ولا ادعك تنادي *فهل وجدت حُساماً يناط دون نجادِ
الحب
, نعم هو الحب الذي سرت في طريقه , وتدعونا إليه , الحب هو الذي نثر كل هاته
الكلمات العبقية من فيك:
والحبُّ
ينبتُ في مواطنه الشقائق والورود
والموت
يحفرُ أينما يخطو المقابر واللحود .
نُشهدك
أيها الفتى أنك انبتّ لنا شقائق حروفك الفلسفية وورودها النرجسية وتنشقناها فإذا
هي الحقيقة ونحن المجاز هي الماء ونحن السراب , هي الغاية ونحن الوسيلة , هي
الوضوح ونحن الغموض .
كتبته
: حفصة بنت عبدالله الحضرمية
تاريخ
: 5/جمادي الثانية /1435ه
5/إبريل
/2014م
اليوم
: السبت
